جورب في بركةِ ماء

عاصم إبراهيم

في صباح يومٍ من الأيام وفيما أنا أمشي في شوارع فانكوفر الكندية، بعد هطول الأمطار الغزيرة، عَبرتُ فَوَقَ بركة ماء أو ما يُعرف بالتجمع المائي الصغير بالكاد يتعدى النصف متر طولًا وعرضًا، ولكن استوقفني شيء داخل تلك البركة ينظر إلى ببراءة، وكأنه طفل صغير يريدني أن أحمله من تلك البركة. لقد شدني جورب صغير لطفلة بالكاد يكون عمرها في حدود الأشهر الأولى من عامها الأول. وضمن الكُتَل البشرية المتحركة يمنة ويسرى من حولي، وأنا أقفُ كالجماد لا أعي ما حولي، كل تفكيري انصبَ على ذلك الجورب الصغير الغارق في الماء، لقد شدني منظرهُ الحزين.

وَضعتُ نفسي مكانه يَتلقفني تيار الماء من جهة إلى أخرى، ورأيت العالم من منظوره الصغير في حجمه ولكن الكبير في معناه. رأيتُ العالم على حقيقته التي لم أعلمها من قبل أن أضع نفسي في مكان هذا الجورب الذي سَكَنَ هذه البركة لمدة من الزمن، يتحمل أحوال الطقس الباردة والممطرة. قلت لنفسي إن كنتُ مكانه فماذا يمكنني رؤيته من خلال منظوره البسيط؟ ماذا يمكنني رؤيته من تلك البقعة الصغيرة لأحكم على هذا العالم؟ ماذا يمكنني القيام بفعله بعد أن أرى ما أرى؟

العديد من الأسئلة التي أردتُ أجوبة عليها من دون الحاجة للسؤال عن إجابات عنها، ولكن باختبارها ومعرفتها بملء إرادتي الذاتية. وما كان مني إلا أني تخيلتُ نفسي ذلك الجورب الوردي في تلك البركة السوداء، ما إن وضعتُ نفسي مكانه إلا أحسست بذلك الخطر المحيط بي من كل جانب والخطر القادم إلى من الأعلى من أقدام المارة من البشر غير المبالين.

حاولت السباحة في تلك البركة السوداء، والتي أحسست معها بالغوص أكثر لقعر البركة كلما تحركت أو اهتزت مياهها الراكدة، حيث تجلب معها طوفان من الموجات البحرية التي تغرقني وتَسلبني حُريتي في السباحة للنجاة من موت مُحَتَم. أما الأقدام القادمةُ من أعلى، فهي تسقط عليَ كالجدران المتهدمة من قصف جوي أو انفجار نووي، لم يكن بمقدوري التحمل أكثر والصمود في وجه الموت المُحَتم.

لم أتحمل من جعل تفكيري يَغرق مع هذا الجورب المسكين، فقمتُ بإعادة نفسي من الجورب إلى جَسَدي المتجمد من البرد والواقف على أطراف تلك البركة الصغيرة. ما إن رجعتُ حتى ذرفتُ دمعة على مصير الجورب وما سيواجهه من مشاق الحياة للصمود حتى غدًا إن استطاع. عدت إلى شقتي ذلك اليوم ولكني لم أستطع أن أُزيحُ ذلك الجورب من تفكيري، فقررت أن أعود مرة أخرى لأرى ذلك الجورب إن استطاع المُضيَ قُدُمًا أم لقى حتفه ليلة أمس.

في صباح اليوم التالي مررتُ على نفس البركة وإذ بالجورب ما زال موجودًا يُصارع موجات الحياة الصعبة، فقلت في نفسي: كيف لهذا الجورب الصغير أن يتحمل كل ما يجري له ويبقى على قيد الحياة حتى الآن؟ فلم يكن أمامي سوى أن أَتَلبَس حالة هذا الجورب مرة أخرى، قد أرى فيها مالم أره أول مرة، ولكنني هذه المرة قررتُ أن أصبر على ما سيصيبني من مخاطر، حتى أتعلم شيئًا قد يفيدني في مجابهة حياتي الفعلية، التي اتسمت في الآونة الأخيرة بالكثير من اللغَط والجَدَل حول عدة مفاهيم لدي. نزلتُ من جسدي البشري وركبتُ موج ذلك الجورب أصارع معه ذبذبات ماء البركة التي لا تكاد تتوقف.

عندما وصلتُ إلى الجورب وتلبستهُ وأصبحتُ هُوَ، نظرتُ من خلال عينيه الصغيرتين إلى العالم من حوله، ذلك العالم الذي لا يرحم ولا يعرف الرحمة، فقد كنتُ أشبه بالصفر على الشمال بالنسبة لكل من مر. فهم لا يعيرونني اهتمامًا وكأني غير موجود في هذا الوجود.

بدأت أتفحص خياراتي المعدودة، والتي لا تتعدى الاستسلام والرِضا بما سيقع لي أو الصمود والقتال من أجل غدٍ أفضل. وقررتُ في لحظتها أني سأصمد وأقاتل من أجل المُستقبل، من أجل أبنائي وأحفادي ومن خَلَفَهَم. سأقاتل من أجل أن يعيش العالم بسلام وألفة.. سأقاتل من أجل إحقاق كلمةُ الحق وإبطال كلمةُ الظلم، سأقاتل من أجل البقاء لتعمير العالم لا لتدميره، سأصارع من أجل غدٍ مشرق لا من أجل غدِ مظلم يتلطمهُ الظلم من كل حَدب وصَوب.

امتلأت روحي الجوربية بالقوة والعزيمة، وأصبحت أرى العالم هو الصغير وأنا الكبير، أصبحت لا أخشى شيئًا وإنما أشفقُ على من يعتقد أنه قد يَضُرني بشيء، أصبحت أرى العالم بمنظار أوسع وتأملت كل حركة تحدث فيه من شد وجذب، من قتل واغتصاب، من احتيال واغتيال. لقد رأيت مالم أره من قبل من قُبح عمل بني البشر والذي قيل عنهم بأنهم أذكى مخلوقات الرب القادر على كل شيء من كلمة كُن فيكون. أصبحت التيارات المائية لا تعني لي شيئًا الآن، فقد جابهتُها بعزيمة وإصرار من دون الاستسلام، فأصبحت تَعبرني كالنسيم العليل، ولم أعد أَخَف من أقدام من حولي أو فوقي، لِقُدرتي على وضع حدٍ لِخُطواتِهم عندما يَروني. استطعتُ أن أقف أمامهم بعز وشموخ يَهابونه لما قد أُقدم عليه من تعثير خُطاهم الغير مدروسة.

بعد ذلك خرجتُ من ذلك الجورب الصغير وعُدُتُ إلى جسدي البشري الذي كان مُتَخَشِبًا على وقفته، وكأنه صَنَم بوذا حتى عُدُتُ إليه وأحييتُهُ من جديد، لقد شعرت بشيء من الغَرابة المبدئية ولكنها سُرعان ما زال، فما كان من ذلك الشعور إلا النَفَس الجديدة التي دَبَت بي من جديد، بعد أن كنتُ في عِداد الموتى قبل كل هذا، فَشُكرًا لك أيها الجورب الصغير على كل ما قدمتهُ لي.

مشيتُ أُكملُ مسيرتي والتي كانت مُتجِههُ إلى المكتبة العامة والواقعة في وسط المدينة أو ما يعرف بـِ الداون تاون، وأنا أتجه إليها كانت نظراتي تَسبَح في فَلَك من الألغاز والأحاجي المترامية على أرصفة الطريق والتي تريد حلًا لها وبشكل سريع. فما كان مني إلا أن أخرجتُ قلمي ودفتر ملاحظاتي الصغير، لأدون كل ما أراه بعيني، حيث أصبحت أرى المشاكل أو الألغاز كأرقام تقفز أمام ناظري تريد حلًا. وبعد أن كتبتُ عدة ألغاز في دفتري، أطبقتهُ وأكملتُ مشواري للمكتبة، فعندما وصلت، ألقيتُ التحية على رجل أمن المكتبة “ديريك” جلستُ على كرسيِ المعروف بجانب النافذة الكبيرة المُطلة على شارع روبسون وريتشاردز.

أخرجتُ دفتر ملاحظاتي الصغير أتفقد ما كتبت. وبتلقائية تَلَقَفَت يدي اليمنى قلمي وبدأت تَحِلُ هذه الألغاز بشكل مدروس ومُتَعَمِق، فذَهَبَ عقلي معها يُحَلل ويُركِب، يُفسِر وينقِد، يستغرب ويستعجب ولكنه في نهاية الأمر استطاع حل مجموعة الألغاز تلك. وَضَعَت يدي اليمنى القلم لمدةٍ لا تقل عن الساعة أو يزيد. أما عقلي، فقد أرخى ظهره للكرسي لبعض الراحة، أما أنا فقد كنتُ في أشد حالاتي غرابة، فأنا لم أشعر بشعور النشوة من قبل ولا بشعور المُنتَصرُ في معركة من قبل، ولكني أؤمن بأني شعرت كما شعروا وفرحت كما فرحوا، لقد ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة مُفعَمَةُ بالحياة والفهم.

 

Screen Shot 2014-02-13 at 5.47.32 PM